محمد متولي الشعراوي

804

تفسير الشعراوي

بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها » « 1 » . إن الذي يقول ذلك هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو المعصوم ، إنه يحذر من أن يحاول أحد أن يبالغ في قوة الحجة ليأخذ بها حقا ليس له . إذن فحين يقنن الفساد فذلك نتيجة أن الحاكم يقر ذلك ، ويأخذ الإنسان حكم الحاكم كأمر نهائي ، مثال ذلك : بعض من الحكام لم يحرموا الربا ، ويتعامل به الناس بدعوى أن الحكومات تحلله ، فلا حرج عليهم . ومثل هذا الفهم غير صحيح ؛ لأن الحكومات لا يصح أن تحلل ما حرمه اللّه ، وإن حللت ذلك فعلى المؤمن أن يحتاط وأن يعرف أنه والحكام محكومون بقانون إلهي ، وإن لم تقنن الحكومات الحلال من أجل سلطتها الزمنية فعلى المؤمن ألا يخرج عن تعاليم دينه . وإذا نظرنا إلى أي فساد في الكون ، في أي مظهر من مظاهر الفساد فسنجد أن سببه هو أكل المال بالباطل ، ولذلك لم يترك الحق سبحانه وتعالى تلك المسائل غائبة ، وإنما جعلها من الأشياء المشاهدة . وأنت إن أردت أن تعرف خلق أي عصر ، واستقامته الدينية وأمانته في تصريف الحركة فانظر إلى المعمار في أي عصر من العصور ، انظر إلى المباني ومن خلالها تستطيع أن تقيم أخلاق العصر . إنك إن نظرت إلى عملية البناء الآن تجد فيها استغلال المال ، وعدم أمانة المنفذ ، وخيانة العامل ، وكل هذه الجوانب تراها في المعمار . لننظر مثلا إلى مجمع التحرير ولنسترجع تاريخ بنائه ، ولنقرنه بمبنى هيئة البريد أو دار القضاء العالي وما بنى في عهدهما . ولننظر إلى المباني والإنشاءات التي نسمع عنها وتنهار فوق سكانها ولنقارنها بمبنى هيئة البريد أو دار القضاء العالي ، سنجد أن المباني القديمة قامت على الذمة والأمانة ، أما المباني التي تنهار على سكانها في زماننا أو تعاني من تلف وصلات الصرف الصحي فيها ، تلك المباني قامت على غش الممول الشره الطامع ، والمهندس المدلس الذي صمم أو أشرف على البناء أو الذي تسلم المبنى وأقر صلاحيته ، ومرورا بالعامل الخائن ، وتكون النتيجة ضحايا أبرياء لا ذنب لهم ، ينهار عليهم المبنى

--> ( 1 ) رواه البخاري .